روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

81

المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )

وقع آدم - عليه السلام - في مقام العشق على حجاب أكل الحنطة طلبا لعلم الأسرار . ووقع الخليل - عليه السلام - في حجاب الملكوت حيث قال في طلب عروس القدم ، فقال للشمس : « هذا ربّي » وقع موسى - عليه السلام - في حجاب الصعقة ، فتاب عن طلب الرؤية . ووقع داود - عليه السلام - في حجاب الالتباس ومكر العشق حيث استأنس غير اللّه في مقام التوحيد . ووقع سليمان - عليه السلام - في حجاب الملك حيث قال : لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 35 ) [ ص : 35 ] وكان حبيب الرحمن - صلوات اللّه عليه وسلامه - عرضت عليه خزائن الوجود ، ولم يتغيّر سرّه بذلك ، وقال : « لا ، ولكن أجوع يوما وأشبع يوما » وهذا من كمال شفقة اللّه عليه حيث ما امتحنه بحجب المكرمات . في محلّ المداناة لا يبقى مكان إلا وقد وصل إليه ، ولا شراب إلا ذاق منه ، وقدسه وما كدر صفو وقته بكدورات الحدثان ، ولا يتزاحم المكان والزمان . هذا نهاية أقدام المرسلين ، وهو أوّل قدم صدقه . لذلك قال - سبحانه وتعالى - : أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ يونس : 2 ] لم تتألم عرائس أسراره عن عيون القهريات . ولكن إذا أراد اللّه تعالى أن يكون له حجاب امتنع بجلاله لحظة من ملاحظته . فصار الحقّ حجابه بنفسه ، إذ هو منزّه عن غين الحدثان وعن أن يكون هو محلّ الحوادث . فلمّا غار هو على نفسه ستره بأسبال ستر غيرته حتّى لا يبقى له إلا هو . قال اللّه تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] فلمّا وجد ذلك في قلبه اشتكى من احتجاب عين القدم عن سرّه فإنّ كنه القدم ليس محلّ ادراك الخليقة بالحقيقة . فإذن ، يا صاحبي ، ما نجا أحد من ذلّ الحجاب ، ولكن كلّ حجاب على قدر السالك بمقدار مقامه . قال أبو يزيد البسطامي - قدس اللّه سرّه - : « ذوق المحبّة ولذته حجاب » وقال بعضهم : « صفاء العبادة حجاب » وقال بعضهم : « الكرامات حجاب » فإذا كان كذلك ، فكلّ حجاب بلاء من اللّه تعالى ، وقد امتحن اللّه العباد به إلا أهل خالصته من الأنبياء والصدّيقين ، أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ يونس : 2 ] . * وفي هذا المعنى أخبر الجنيد - قدس اللّه سرّه - قال : « كنت يوما جالسا عند السري السقطي - قدس اللّه روحه - ومعي جماعة من أصحابه . وكان الشيخ يذكر شيئا من العلم ، فلحقه وجد ، فغاب . ولم يبق فيه حركة ولا حسّ . وقد أثر في كلّ من كان حاضرا وجده . ثم أفاق ، وقد تغشاه نور كاد أن يخطف ببصرنا . فاقبل عليّ وقال : « يا أبا